الحلبي
340
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وذكر أنه فاح من قبورهم مثل ريح المسك . وفي لفظ نحو خمسين سنة مع أن أرض المدينة سبخة يتغير الميت في قبره من ليلته : أي لأن الأرض لا تأكل لحوم شهداء المعركة كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام . زاد بعضهم : قارىء القرآن ، والعالم ، ومحتسب الأذان . ويدل للأخير ما في الطبراني من حديث عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما : المؤذن المحتسب كالمتشحط في دمه لا يدود في قبره أي كشهيد المعركة لا يأكله الدود في القبر . وقد نظم هؤلاء الشيخ التتائي المالكي رحمه اللّه تعالى فقال : لا تأكل الأرض جسما للنبي ولا * لعالم وشهيد قتل معترك ولا لقارئ قرآن ومحتسب * أذانه لإله مجرى الفلك ودفن خارجة بن زيد وسعد بن الربيع رضي اللّه عنهما في قبر واحد ، لأنه كان ابن عمه وولده خارجة وهو زيد بن خارجة الذي تكلم بعد الموت . ذكر أن خارجة أخذته الرماح فجرح بضعة عشر جرحا فمرّ به صفوان بن أمية بن خلف فعرفه فأجهز عليه ، وقال : الآن شفيت نفسي حين قتلت الأماثل من أصحاب محمد . قتلت خارجة بن زيد ، وقتلت أوس بن أرقم ، وقتلت أبا نوفل ، ودفن النعمان بن مالك وعبد بني الحسحاس في قبر واحد ، وربما دفنوا ثلاثة في قبر ، وصار صلى اللّه عليه وسلم يقول « احفروا وأوسعوا وأعمقوا » وكان صلى اللّه عليه وسلم يقول « انظروا أكثر هؤلاء جمعا » أي حفظا للقرآن « فقدموه في القبر » أي في اللحد . واحتمل ناس من المدينة قتلاهم إلى المدينة ، فردهم صلى اللّه عليه وسلم ليدفنوا حيث قتلوا وبه استدل أئمتنا رحمهم اللّه على حرمة نقل الميت قبل دفنه من محل موته إلى محل أبعد من مقبرة محل موته . وفيه أنهم قالوا : إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس ، نص على ذلك إمامنا الشافعي رحمه اللّه . وقد يجاب بأن هذا مخصوص بغير الشهيد . أما هو فالأفضل دفنه بمحل موته ولو بقرب ما ذكر كما بحث ذلك بعض المتأخرين من أئمتنا . ويشهد له ما هنا . ولا يشكل دفن اثنين أو ثلاثة في لحد على قول فقهائنا بحرمة جمع اثنين في لحد ولو الوالد وولده ، لأن محل ذلك حيث لا ضرورة ككثرة الموتى ومشقة الحفر لكل واحد كما هنا . ثم رأيت في بعض السير : وقد ثبت في صحيح البخاري « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين والثلاثة في القبر الواحد » . وإنما أرخص لهم في ذلك لما بالمسلمين من الجراح التي يشق معها أن يحفروا لكل واحد واحد .